محمد متولي الشعراوي
5894
تفسير الشعراوى
وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس الذي استخدم الجن ، وللجن الذي أغوى الإنس . ثم يعرض لنا الحق - سبحانه وتعالى - قضية أخرى في هذه المسألة ؛ فيقول سبحانه : الْأَخِلَّاءُ « 1 » يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( 67 ) [ الزخرف ] والأخلاء : هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودّة ، ويتخلّل كل منهم حياة الآخر . وأنت تجد الناس صنفين : أناسا اتخذوا الخلّة « 2 » في اللّه تعالى ، فيذهبون إلى المساجد ، ويستذكرون العلم ، ولا يأكلون إلا من حلال ، ويقرأون القرآن ، وإن همّ واحد منهم بمعصية وجد من صديقه ما يردّه عن المعصية ، ويحجّون إلى بيت اللّه الحرام ، ويعتمرون ، وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم : « رجلان تحابّا في اللّه اجتمعا عليه وتفرّقا عليه » « 3 » وهذا لون من الخلّة . واللون الآخر يضم أناسا يساعد بعضهم البعض على المعصية ، ويشربون الخمر ، ويلعبون الميسر ، ويفعلون كل المعاصي ، فإذا جاء يوم القيامة يقابلون حكم اللّه تعالى : لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ . . ( 254 ) [ البقرة ] فلا خلّة إلّا خلّة اللقاء في اللّه تعالى ، فإذا التقى الأخلاء في اللّه تعالى فرحوا ببعضهم ؛ لأن كلّا منهم حمى أخاه من معصية ، أما من كانوا
--> ( 1 ) الأخلّاء : جمع ( خليل ) وهو الصديق . قال تعالى : وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا . . ( 125 ) [ النساء ] . وقال تعالى - حكاية عن الكافرين يوم القيامة : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) [ الفرقان ] . [ اللسان : مادة ( خ ل ل ) ] . ( 2 ) الخلّة : الصداقة والمحبة . والخلّ : الودّ والصديق . [ اللسان : مادة ( خ ل ل ) ] . ( 3 ) عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه ، ورجل قلبه معلّق في المساجد ، ورجلان تحابّا في اللّه اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف اللّه ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه » أخرجه مسلم في صحيحه ( 1031 ) والبخاري في صحيحه ( 660 ) .